فصل: (مسألة: المفطر بالظن الخاطىء)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[مسألة: الإفطار ناسيًا]

وإن أكل، أو شرب، أو جامع ناسيًا.. لم يبطل صومه، وبه قال أبو حنيفة.
وقال ربيعة، ومالك: (يفسد صومه، وعليه القضاء في الأكل والجماع)
وقال عطاء والأوزاعي والليث يجب القضاء في الجماع دون الأكل.
قال أحمد: (يجب في الجماع القضاء والكفارة، ويجب في الأكل القضاء لا غير).
دليلنا: ما روى أبو هريرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أكل ناسيًا أو شرب ناسيا.. فلا يفطر، فإنما هو رزق رزقه الله» فنص على الأكل والشرب، وقسنا عليه غيره.
فإن فعل ذلك وهو جاهل بالتحريم.. لم يبطل صومه؛ لأنه يأثم بذلك، فهو كالناسي.
وإن أوجر رجل الطعام في حلقة وهو مكره، أو أكره امرأته وهي صائمة حتى وطئها، أو استدخلت ذكره وهو نائم.. لم يبطل الصوم بشيء من ذلك؛ لأنه حصل بغير اختيار، فهو كما لو ذرعه القيء.
وإن أكره الرجل حتى أكل بنفسه، أو أكرهت المرأة حتى مكنت من الوطء.. ففيه قولان:
أحدهما: يبطل الصوم؛ لأنه فعل ما ينافي الصوم مع العلم به، لدفع الضرر عنه، فهو كما لو أكل للجوع.
والثاني: لا يبطل صومه؛ لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره، فهو كما لو أوجر في حلقه.
وإن أكره الرجل حتى وطئ، فإن قلنا: في المرأة: إذا أكرهت حتى مكنت بطل صومها.. فهاهنا أولى، وإن قلنا: في المرأة: لا يبطل صومها.. فهاهنا وجهان.
والفرق بينهما: أن الوطء من الرجل لا يكون إلا بالانتشار، وذلك يدل على الشهوة والاختيار.

.[فرع: الإيجار لمرض]

ذكر في "الإبانة" [ق\160\ ] ألو أغمي عليه، فأوجر دواء.. ففيه وجهان: أحدهما: لا يفطر؛ لأنه مغلوب لم يقصده.
والثاني: يفطر؛ لأنه أوجر عامدًا لمداواته، فهو كما لو مرض وتناول دواء.

.[فرع: سبق الماء لفم الصائم]

وإن تمضمض، فسبق الماء إلى حلقه، أو استنشق، فوصل الماء إلى دماغه.. ففيه قولان:
أحدهما: يبطل صومه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، واختاره المزني، كما لو قبل.. فأنزل.
والثاني: لا يفطر، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق؛ لأنه وصل إلى جوفه بغير اختياره، فهو كما لو طارت ذبابة على حلقه، ودخلت جوفه.
واختلف أصحابنا في موضع القولين:
فمنهم من قال: القولان إذا لم يبالغ، فأما إذا بالغ: بطل صومه، قولًا واحدًا، وهو اختيار الشيخين أبي حامد وأبي إسحاق، وابن الصباغ.
ومنهم من قال: القولان في الحالين.
وقال الحسن، والنخعي: إن توضأ للمكتوبة.. لم يفطر، وإن توضأ لنافلة.. أفطر، وروي ذلك عن ابن عباس.
دليلنا: أنه شرع المضمضة والاستنشاق في الطهارة للنافلة كما شرعا في الطهارة للفريضة، فاستوى حكمهما.

.[مسألة: المفطر بالظن الخاطىء]

.[مسألة: المفطر بالظن الخاطئوإن أكل وهو يظن أن الفجر لم يطلع، وكان قد طلع، أو يظن أن الشمس قد غابت، ولم تكن غابت.. فالمنصوص للشافعي: (أنه يجب القضاء). وهو قول كافة العلماء.

وقال إسحاق بن راهويه، وداود، والحسن، ومجاهد: (لا يجب عليه القضاء)
وحكي المسعودي [في " الإبانة ق\ 160] أن من أصحابنا من قال: إن أكل وهو يظن أن الفجر لم يطلع، وكان قد طلع.. لم يجب عليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء الليل، وإن كان هذا الظن في غروب الشمس.. وجب عليه القضاء، واحتجوا: بما روي: أن الناس في زمان عمر ظنوا أن الشمس قد غربت، فأفطروا، ولم تكن قد غربت، فقال عمر: (والله لا نقضي ما تجانفنا فيه لإثم)، يعني: ما ملنا إليه.
دليلنا: أنه تعين له يقين الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء، فهو كما لو صلى يظن أن الشمس قد زالت، ثم بان أنها لم تزل.
وما روي عن عمر. وقد روي عنه: أنه قال: (قضاء يوم سهل) فبتعارض الروايتين عنه يسقطان، ويبقى لنا القياس.

.[مسألة: الفطر بغير الجماع]

إذا أفطر بغير الجماع عامداً، عالماً بالتحريم، بأن أكل، أو شرب أو باشر فيما دون الفرج، فأنزل.. وجب عليه القضاء؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من استقاء.. فعليه القضاء"، ولأنه إذا وجب القضاء على من أفطر بعذر.. فلأن يجب على غير المعذور أولى، ويجب عليه إمساك بقية النهار؛ لحرمة الوقت، ولكن لا حرمة لهذا الإمساك، فلو جامع فيه.. لم تجب عليه الكفارة.
واختلف العلماء فيه، كم يقضي عن كل يوم؟
فمذهبنا: أنه يقضي عن كل يوم يوماً.
وقال ربيعة: يقضي عن كل يوم اثني عشر يوماً بعدد شهور السنة.
وقال سعيد بن المسيب: يقضي عن كل يوم شهراً
وقال النخعي: يصوم عن كل يوم ثلاثة آلاف يوم.
وقال علي وابن مسعود: (لا يقضيه صوم الدهر وإن صامه)
دليلنا: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر المجامع في رمضان أن يقضي يوماً مكانه»، ولأنها عبادة، فاستوى فيها عدد قضائها وعدد أدائها، كالصلاة، ولا يجب عليه الكفارة الكبرى، وهي كفارة الجماع.
وقال أبو حنيفة: (تجب الكفارة الكبرى بالجماع التام في نهار شهر رمضان، وهو الوطء في الفرج وبالأكل التام، وهو أن يأكل ما يغتذي به، فإن أكل حصاة أو تراباً.. لم تجب فيه الكفارة).
وقال مالك: (كل إفطار بمعصية، فإنه يوجب الكفارة).
دليلنا: أن غير الجماع سبب لا يجب الحد بجنسه، فلم تجب بالإفطار به الكفارة، كما لو تقيأ عامدا، وإن بلغ ذلك السلطان.. عزره؛ لأنه محرم لا يجب فيه حد ولا كفارة، فثبت فيه التعزيز، كمباشرة الأجنبية فيما دون الفرج، وهل تجب فيه الكفارة الصغرى، وهي: أن يطعم عن كل يوم مداً من طعام؟ فيه وجهان، حكاهما في "الإبانة" [ق\164]:
أحدهما: يجب عليه؛ لأن عذره ليس بأقوى من عذر المرضع إذا أكلت لأجل ولدها، وتجب الفدية مع القضاء، فكذلك هذا.
والثاني: لا تجب، كما لا تجب الكبرى.
قال: والأول أصح.

.[فرع: الفطر لإنقاذ الغريق]

قال في "الإبانة" [ق\164] ولو رأى الصائم من يغرق في الماء، ولا يمكنه تخليصه إلا بأن يفطر ليتقوى.. فله الفطر، ويلزمه القضاء، وهل يلزمه أن يفدي بالمد عن كل يوم؟ فيه وجهان.

.[مسألة: إنزال الخنثى لا يفطر]

إذا أنزل الخنثى المشكل الماء الدافق في نهار شهر رمضان من آلة الرجال، أو من آلة النساء، لا عن مباشرة، أو رأى الدم من فرج النساء يوما كاملا.. لم يبطل صومه، لاحتمال أن يكون ذلك عضوا زائدا.
وإن أنزل الماء الدافق من فرج الرجال عن مباشرة، ورأى الدم من فرج النساء في ذلك اليوم، واستمر به الدم أقل مدة الحيض.. حكم بفطره؛ لأنه إن كان رجلا.. فقد أنزل عن مباشرة، وإن كان امرأة.. فقد حاضت.
فإن استمر به الدم بعد ذلك اليوم أياما، ولم ينزل عن مباشرة من آلة الرجال.. لم يبطل الصوم إلا في الأيام التي ينفرد برؤية الدم والإنزال، ولا تجب الكفارة على من حكم ببطلان صومه هاهنا؛ لما ذكرناه على أصلنا.

.[مسألة: كفارة الوطء]

إذا أولج الصائم ذكره في فرج امرأة في نهار رمضان عامدا، عالما بالتحريم، وهو حاضر.. فقد ذكرنا أنه يفسد صومه، وتجب عليه الكفارة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة أهل العلم.
وقال النخعي، والشعبي: لا كفارة عليه، وحكي ذلك عن قتادة، وسعيد بن جبير.
دليلنا: ما روى أبو هريرة: «أن أعرابيا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: يا رسول الله، هلكت؟ فقال: «ما شأنك؟! " فقال: وقعت على امرأتي في نهار شهر رمضان، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا، قال: «صم شهرين متتابعين"، فقال: لا أستطيع، قال: «أطعم ستين مسكينا" قال: لا أجده، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجلس"، فبينما هو جالس إذ أتي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعرق فيه تمر (والعرق) مكتل ضخم". فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خذ هذا، وتصدق به"، فقال: يا رسول الله، أعلى أهل بيت أفقر منا؟! والذي بعثك بالحق نبيا، ما بين لابتيها أهل بيت أحوج منا، قال: فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بدت ثناياه، وقال: «أطعمه عيالك».
ولأن الصوم عبادة يدخل في جبرانها المال وهو الشيخ إذ لم يطق الصوم: أطعم، فوجب أن يجب بإفسادها الكفارة، كالحج، ويجب عليه إمساك بقية النهار؛ لأنه غير معذور في ذلك.

.[فرع: وطء المسافر في الصيام]

إذا نوى المسافر الصوم، وقلنا: يجوز له الإفطار في ذلك اليوم فإن أفطر بالجماع مترخصا.. قضى الصوم، ولا كفارة عليه.
وقال أحمد: (عليه القضاء والكفارة)
دليلنا: أن كل صوم جاز له الإفطار فيه بالأكل جاز بالجماع، كالتطوع.
وإن أفطر بالجماع غير مترخص: ففيه وجهان، حكاهما فيه "الإبانة" [ق\163]:
أحدهما: لا يكفر، كالمترخص.
والثاني: عليه الكفارة؛ لأنه لما لم يترخص.. صار كمقيم جامع، ألا ترى أن المسافر إذا نوى القصر، فقام بنية الإتمام.. جاز، ولو قام متعمداً من غير نية الإتمام.. بطلت صلاته.

.[مسألة: الوطء في الدبر]

وإن لاط بغلام، أو أتى امرأة في دبرها.. فهو كالوطء في الفرح، وتجب به الكفارة.
وقال أبو حنيفة: (لا تجب به الكفارة).
دليلنا: أنه فرج يجب بالإيلاج فيه الغسل، فوجب فيه الكفارة، كالقتل.
وإن وطئ امرأة ناسياً أو جاهلاً بالتحريم.. فالمشهور من المذهب: أنه لا يجب عليه كفارة شيء.
وحكى المسعودي [في "الإبانة" ق\162] أن من أصحابنا من قال: فيه قولان، كالقولين فيمن وطئ في الحج ناسياً أو جاهلاً؛ لأن كل واحد منهما عبادة يجب بإفسادها الكفارة، والصحيح هو الأول؛ لأنه من محظورات الحج، فاستوى فيه العمد والسهو، وهو كقتل الصيد وإتلاف شجر الحرم والحلق، فجاز أن يلحق به الجماع في أحد القولين، وجميع محظورات الصوم فرق فيها بين العمد والسهو، فكذلك الجماع.

.[فرع: إتيان الصائم البهيمة]

وأما إتيان البهيمة: ففيه طريقان:
من أصحابنا من قال: إن قلنا: يجب به الحد.. أفسد الصوم، وأوجب الكفارة.
وإن قلنا: لا يجب به الحد.. لم يفسد الصوم، ولو يوجب الكفارة.
ومنهم من قال: يفسد الصوم، ويوجب الكفارة، قولاً واحدا؛ لأنه فرج يجب الغسل بالإيلاج فيه، فهو كفرج المرأة.

.[فرع: وطء الخنثى]

وإن أولج الخنثى المشكل ذكره في دبر رجل، أو في فرج امرأة أو دبرها، أو في فرج خنثى مشكل أو دبره.. لم يفطر الخنثى المولج؛ لجواز أن يكون ذكره عضواً زائداً، ويفسد صوم المولج فيه، ولا تجب عليه الكفارة؛ لجواز أن يكون ذكره عضواً زائداً، وإنما يكون كما لو أدخل إصبعه في الفرج أو الدبر، وذلك لا يفسد الصوم.
وإن أولج رجل ذكره في دبر خنثى مشكل.. أفطرا، ووجبت الكفارة على كل واحد منهما، إلا أن يكون المولج فيه جارية للمولج، فيكون كزوجته على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وإن أولج الرجل ذكره في فرج خنثى مشكل.. أفطر المولج فيه دون المولج؛ لجواز أن يكون ذلك خلقة زائدة، إلا أن ينزل المولج، فيفطر، وإن أولج الخنثى ذكره في فرج خنثى مثله.. أفطر المولج فيه دون المولج، سواء أنزل المولج أو لم ينزل.
وإن أولج خنثيان كل واحد منهما آلته في فرج صاحبه أو في دبره، أو أولج هذا آلته في فرج صاحبه، وأولج الآخر آلته في دبر الآخر.. أفطرا جميعاً، ولا كفارة على واحد منهما. هكذا ذكره القاضي أبو الفتوح.

.[فرع: وجوب القضاء والكفارة]

وهل يجب على المجامع قضاء اليوم الذي وطئ فيه مع الكفارة؟ حكى ابن القاص وابن الصباغ فيه قولين - سواء كفر بالعتق، أو الإطعام، أو الصوم-:
أحدهما: لا يجب عليه القضاء؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر المجامع في نهار رمضان بالكفارة، دون القضاء.
والثاني - وهو الصحيح -: أنه يجب عليه القضاء؛ لأنه قد روي في الخبر: «وصم يوماً مكانه».
وقال الأوزاعي: (إن كفر بالعتق أو الإطعام.. قضى يوماً، وإن كفر بالصوم.. لم يقض يوماً).
وحكى المسعودي [في "الإبانة" ق\163] أن القولين إذا كفر بالصوم، فأما إذا كفر بالعتق أو الإطعام.. قضى يوماً، قولاً واحداً. وليس بشيء.

.[مسألة: خصال الكفارة]

والكفارة الواجبة بإفساد الصوم بالجماع على الترتيب، فيجب عتق رقبة، فإن لم يجد.. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع.. أطعم ستين مسكيناً، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي.
وقال مالك: (هي على التخيير بين العتق، والصيام، والإطعام).
وقال الحسن: هو مخير بين عتق رقبة، أو نحر بدنة، أو إطعام عشرين صاعاً أربعين مسكيناً.
دليلنا: ما ذكرناه من حديث أبي هريرة.
وأما صفة الرقبة والصيام والإطعام: فيأتي ذكره في كفارة الظهار إن شاء الله. إذا ثبت هذا: ووطئ الرجل زوجته في نهار رمضان وطئاً يجب به الكفارة.. فعلى من تجب الكفارة؟ ذكر الشيخ أبو حامد: أن في ذلك قولين:
أحدهما: تجب على كل واحد منهما كفارة، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، واختاره ابن المنذر؛ لما روي: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أفطر في رمضان.. فعليه ما على المظاهر»، يعني: من الكفارة، والزوجة قد أفطرت بالجماع، فوجب أن تكون عليها الكفارة، ولأنها عقوبة تتعلق بالجماع، فاستوى فيها الرجل والمرأة، كحد الزنا، وفيه احتراز من المهر.
والثاني: تجب الكفارة على الرجل وحده، وهو الصحيح؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر الذي جامع في نهار شهر رمضان بالعتق، فإن لم يجد.. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع.. أطعم ستين مسكيناً، فدل على أن هذا هو ما يجب بالجماع.
فإذا قلنا بهذا: فهل تجب الكفارة عنه وعنها، أو تجب عنه دونها؟ فيه وجهان:
وحكاهما ابن الصباغ قولين:
أحدهما: تجب عليه عنه وعنها. وتعلق هذا القائل بقول الشافعي: (والكفارة واحدة عنه وعنها)، ولأنهما اشتركا في المأثم، فاشتركا في الكفارة.
والثاني: تجب عليه عنه دونها؛ لأنها حق مال يتعلق بالوطء، فكان على الزوج، كالمهر، وتأول هذا القائل قول الشافعي: أنه أراد: أنها تجزئ عنهما جميعاً.
فإن قلنا: يجب على كل واحد منهما كفارة.. اعتبر حال كل واحد منهما بنفسه، فمن كان من أهل العتق.. أعتق، ومن كان من أهل الصيام.. صام، ومن كان من أهل الإطعام.. أطعم.
وإن قلنا: تجب الكفارة على الزوج، فإن قلنا: تجب عليه دونها.. اعتبر حاله أيضاً، وإن قلنا: يتحمل عنها.. نظرت:
فإن استوى حالهما، فإن كانا من أهل العتق.. أعتق رقبة، وكانت عنهما، والذي يقتضي المذهب: أن ولاءها يكون بينهما؛ لأن العتق فيها وقع عنهما. وإن كانا من أهل الصيام.. صام الزوج عن نفسه شهرين وصامت عن نفسها؛ لأن الصوم لا يتحمل. وإن كانا من أهل الإطعام.. أطعم ستين مسكيناً، وكان ذلك عنهما.
وإن اختلف حالهما، فإن كان الزوج أعلى منها، بأن كان من أهل الإعتاق، وهي من أهل الصيام أو من أهل الإطعام، فإن كانت حرة، وأعتق رقبة.. أجزأت عنهما؛ لأن من فرضه الصيام أو الإطعام.. يجزئ عنه العتق، كالحرة المعسرة، وهذا هو المشهور من المذهب.
وحكى صاحب "الإبانة" [ق\ 164] وجهاً آخر: أنهما لا يتداخلان إذا كانتا من جنسين.
فعلى هذا: إن كانت من أهل الصيام.. صامت عن نفسها. وإن كانت من أهل الإطعام.. أطعم عنها. وليس بشيء. وإن كان الزوج من أهل الصيام، وهي من أهل الإطعام.. صام عن نفسه شهرين، وأطعم عنها ستين مسكيناً، لأن تحمل الإطعام عنها بالصوم لا يجوز.
وإن كانت الزوجة أمة والزوج حراً من أهل العتق.. فقد ذكر الشيخ أبو إسحاق في "المهذب": أن إعتاق الزوج يجزئ عنها على القول الذي يقول: إن الأمة تملك المال إذا ملكت، فأما على القول الآخر: فلا يجزئ عنها. وذكر الشيخ أبو حامد، وسائر أصحابنا: أن إعتاق الزوج لا يجزئ عنها؛ لأن العتق يتضمن الولاء، والأمة لا يثبت لها الولاء. وهذا يدل على صحة ما ذكرته قبل هذا في الحرة، إذا أعتق الزوج، وقلنا: إن العتق عنهما.. أن الولاء بينهما.
وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" في المأذون: أن إعتاق العبد في الكفارة لا يصح على القولين؛ لأنه يتضمن الولاء، والعبد ليس من أهل الولاء.
وإن كانت الزوجة أعلى حالاً من الزوج، بأن كانت من أهل العتق، وهو من أهل الصيام أو الإطعام.. فإنه يصوم عن نفسه، أو يطعم ويتحمل عنها العتق في ذمته إلى أن يجد؛ لأن العتق إنما يسقط عن المعسر إذا كان عن نفسه، وهذا إنما هو تحمل عن الزوجة، وذلك يجري مجرى مؤنتها، فثبت في ذمته.
وإن كانت من أهل الصيام، والزوج من أهل الإطعام.. لم يتحمل عنها الصوم؛ لأنه لا يتحمل، بل تصوم عن نفسها، ويطعم عن نفسه

.[فرع: وطء المسافر بعد قدومه]

فإن قدم الرجل من، سفره وهو مفطر، فإن وجد امرأته صائمة فأخبرته: أنها مفطرة، فوطئها.. أفطرت، فإن قلنا: يجب على كل واحد منهما كفارة.. وجبت الكفارة عليها دونه. وإن قلنا: تجب عليه الكفارة دونها.. لم يجب على واحد منهما كفارة. وإن قلنا: تجب عليه كفارة عنه وعنها.. وجبت الكفارة في مالها؛ لأنها غرته بأنها مفطرة.
وإن أخبرته بصومها، فوطئها وهي مطاوعة، فإن قلنا: يجب على كل واحد منهما كفارة.. وجبت عليها الكفارة دونه، وإن قلنا تجب عليه دونها.. لم يجب في هذا الوطء كفارة، وإن قلنا: يتحمل عنها.. لزمه أن يعتق عنها إن كانت من أهل الإعتاق، أو يطعم إن كانت من أهل الإطعام، وإن كانت من أهل الصوم.. صامت عن نفسها، وإن أكرهها على الوطء.. لم تفطر هي؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه».
ولا يجب في هذا الوطء كفارة على الأقوال كلها؛ لأنه لا يجب عليه الكفارة؛ لكونه مفطراً، ولا يجب بسببها كفارة؛ لأنها مكرهة، وإن أكرهها حتى مكنته من الوطء.. ففيه قولان:
أحدهما: حكمهما حكم ما لو كانت مطاوعة.
والثاني: حكمهما حكم ما لو كانت مكرهة.
وقد مضى دليلهما.

.[فرع: وطء المجنون زوجته]

وإن وطئ المجنون امرأته وهي مطاوعة له.. أفطرت؛ لأنه لا عذر لها، ولا يفطر؛ لأنه معذور.
فإن قلنا: يجب على الفاعلين على كل واحد منهما كفارة.. وجب هاهنا على الزوجة في مالها كفارة، ولا يجب على الزوج كفارة؛ لأنه معذور.
وإن قلنا: يجب عليه دونها.. لم يجب في هذا الوطء كفارة.
وإن قلنا: يتحمل عنها.. فهاهنا وجهان:
أحدهما قال أبو إسحاق: تجب الكفارة عنها في مال الزوج؛ لأن وطأه بمنزلة جنايته، وجنايته مضمونة في ماله.
والثاني: قال أبو العباس: لا يجب عليه شيء؛ لأن المجنون لا قصد له ولا فعل له.
وإن استدخلت المرأة ذكر زوجها وهو نائم.. أفطرت، ولم يفطر الزوج، ولا كفارة عليه.
فإن قلنا: لو وطئها مختارين، يجب على كل واحد منهما كفارة، أو تجب عليه عنه وعنها.. وجبت الكفارة هاهنا في مالها دونه؛ لأنه معذور.
وإن قلنا هناك: يجب عليه الكفارة عنه دونها.. لم يجب بهذا الوطء كفارة.
وإن زنى بامرأة في نهار رمضان.. أفطر.
فإن قلنا في الزوجين: يجب على كل واحد منهما كفارة، أو يجب كفارة عليه عنه وعنها.. وجبت هاهنا على كل واحد منهما كفارة؛ لأن التحمل لحق الزوجية، ولا زوجية هاهنا.
وإن قلنا: يجب عليه كفارة دونها.. وجبت الكفارة هاهنا على الرجل دون المرأة.